السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رقم اعتماد النشر (345/58/EBIN )
د/أحمد عبدالمالك أحمد
جمهورية مصر العربية
الصفة الادبية / شاعر
الاصدار الاول
مقدمة ديوان "حين تنبض الكلمة"
في زمن تتسارع فيه الكلمات وتبهت فيه المعاني، يولد هذا الديوان كنبض نقي في قلب الضجيج، وكأن الحرف فيه لا يكتب بالحبر، بل يسكب من الروح مباشرة.
حين تنبض الكلمة ليس مجرد مجموعة شعرية، بل هو مرآة للذات، ونداء للسماء، وحوار بين الانسان وظلاله، بين القلب والذكاء، بين الحنين والغياب، بين الضوء والذاكرة.
هنا، لا تقاس القصائد بطولها، بل بعمقها. لا توزن الابيات بالأرقام بل بما تحدثه من رجفة في صدر القارئ. كل نص في هذا الديوان هو محاولة صادقة لفهم الانسان، وتفكيك الزمن، واستعادة ما ضاع من الحلم.
ستجد في هذه الصفحات:
• نداءات روحية تهمس في قلبك حين يضيق العالم.
• مراثي للغائبين، واحتفاء بالذين لم يولدوا بعد.
• غزلا لا يشبه الغزل، بل يشبه الرجاء.
• نقدا اجتماعيا يبتسم في وجه الالم، ويعاتب بلغة الشعر.
• تأملات فلسفية تضيء عتمة الاسئلة الكبرى
هذا الديوان لا يطلب من القارئ ان يقرأه، بل ان يعيشه. ان يتورط في حروفه، ويجد نفسه بين سطوره، ويخرج منه وقد تغير شيء ما في داخله.
فمرحبا بك في عالم تنبض فيه الكلمة، لا لتقال، بل لتحس ولا لتسمع، بل لتوقظ ما نام فيك من نور.
القصيدة الاولى
(نداء الله في قلبي)
نداء الله في قلبي دعاني
فأبصرت المدى نورا بياني
سكنت الصمت أصغي فيه سرا
فأيقنت الحقيقة في كياني
رأيت الله في جرح الليالي
وفي دمع التائبين على الأغاني
إذا ضاقت بنا الدنيا كثيرا
تجلى بالرجاء على الأماني
وحين يئن قلبي من جروحي
أراه بلطفه يرثي حناني
أنا ما كنت إلا ظل ضوء
تبعثر بين أنقاض الزمان
تعلمت السجود بغير صوت
ففاض النور في صمت الأذان
وما الإيمان إلا جرح قلب
تطهر في يقين المؤمن العاني
فلا تسأل متى يأتي رجائي
رجائي أن أراك بكل آن
إذا سدت علي الأرض سدا
فتحت لي السما من كل جانب
أيا رب الوجود إليك ضعفي
فكن عوني فأنت هو المعان
القصيدة الثانية
(في حضرة عرفات)
يا رب قد جئناك والأنفاس تحترق
والدمع في الأحداق كالطوفان ينطلق
جئناك نحمل ضعفنا ورجاء معتصم
بالأمل الساكن الأعماق نرتفق
جئناك لا مال لا جاه ولا نسب
إلا يقين وصدق الشوق ما افترقوا
يا واسع العفو يا من لا يخيّبنا
هب لي دعاءً له أبوابك تفتَرق
كل الجراح على الدنيا لها أجل
إلا التي فيك تُشفى، لا ولن تشق
هبني دموعًا بها الأرواح معترك
فيها نقي الدعاء الطاهر العبق
وأبنائي… إليك اليوم أرفعهم
فامنحهم الخير يا من جوده سبق
وازرع بهم طيب خلق لا يمزّقه
شر الحياة ولا داء ولا أرق
واجعل قلوبهم إن قالوا رضينا
نورا وإن بكوا فالذكر مرتفق
واشرح صدورًا وداوِ الهم إن عظمت
فيها الكروب، وليل الحزن مختنق
نحن الضعاف ولا حول ولا مدد
إلا بك، يا رجاء العبد إن قلقوا
فالطف بعبد أتى بالذنب معتذرًا
واجعل لنا في رحاب العفو منطلق
القصيدة الثالثة
(نقطة السكون )
ما الموت؟ هل هو لحظة تتوارى
أم عودة للغيب بعد حوارا
أهو انطفاء الضوء فينا بغتة
أم فجر روح حرة تتجارى
نفني السنين نجمع المتع التي
تنسى، وتدفن تحت ترب عارا
ننسى بأن الدرب ينهي سيره
من دون وعد، أو دليل منارا
كم من غني نام فوق وسادة
فأفاق في كفن.. بلا أستارا
ماتوا، وساد صموتهم، فكأنما
كانوا سطورا في كتاب غبارا
يا سائلي: الموت باب آخر
نحو الحقيقة، لا فناء بدارا
فالروح تعبر حين يغلق جفنها
حرة، تسمو، بلا أوزارا
القصيدة الرابعة
(الإنسان.. في مرآة العالَم)
يا سائلي: ما سر هذا المآل
ومن ابتغى الإنسان في الأهوال
أنا ومضة في ليل عمر غامض
أنا قبس في غابة الأنذال
سجنت في درب الغنى أشواقنا
ورضيت بالأقفال في الأقفال
بعت الضمير لأشتري أحلامهم
فسقطت في دين الرؤى المتوالي
طفل ينام على الجليد بعيني
وشيخ يصرخ في زحام سؤالي
والحب — إن وجد — تساقط مثقلا
كالوهم بين قلوبنا المثقال
أرنو إلى فطرة الطفولة باكيا
لكن أضعت طريقها في المال
هذا الزمان يبيعنا ويغني
ويقيم فينا حفل كل انحلال
كم بت أبحث عن حنان صادق
عن عطر أمي، دفء ضوء خيالي
عن قبلة في الصبح، عن حضن الهدى
عن بسمة من قلب طفل غالي
لكنني رغم الجراح مكابر
أمضي بأحلامي، برغم احتيالي
أبني على وهج المبادئ قلعة
وأرد عن وجهي غبار انكسالي
ما زلت إنسانا، وإن جار المدى
أحيا، وأزرع في الدروب احتمالي
فإذا تكالبت العواصف حولنا
نشعل من الأرواح نور الكمال
القصيدة الخامسة
(مقامات عاشقٍ من نور)
يا من تجلّى في رؤى العشّاق
وأذاب قلب الصبّ في الأشواق
في حضرة الأنوار كنت مسافرًا
لا شيء يُقنعني سوى الإحراق
رأيت فيك جمال ربّي ساطعًا
فغدوت بين الناس دون نفاق
كل القصائد ما ارتوت إلا إذا
نادتك شوقًا في مدى الأوراق
فالعشق فيك له مقامات العُلا
ترقى به الأرواح كالأطياق
يا قبلة الأرواح يا سر الدنا
جئناك نرجو ومضة الإشراق
تركت دنيا الناس لم أرجع لها
إلا لأبني في هواك رواقـي
ديني، ويقظتي، وجوعي، لهفتي
كل الذي بي منك دون شقاق
قلبي يُسبّح في هواك قصائدي
ولها سجود في هوى الأعماق
القصيدة السادسة
(سمو الحب الالهي)
يا سائلا عن سمو الحب في زمن الجراح
عن دفء روح لا تدانى، عن حنان لا يباح
عن نور حق لا يزول، ولا يقاس، ولا يزاح
الحب ربي، يا فؤادي، منتهى سر الصلاح
الحب ما في الأرض يشبهه، ولا فيه يضاهى
هو في الضمير تجلٍ، في كل أنفاسي صداه
هو في السجود دموع شوق، واليقين بما تراه
هو في التوكل راحتي، والفوز أن أحيا رضاه
إني إذا ناديت ربي خافقا، لبى النداء
ما خاب عبد قال: "ربي"، وانحنى نحو السماء
فإذا الدموع تهيم شكرا، والرجاء له ضياء
يا من تحب الله، سر، فالكون يزهر في الدعاء
دع عنك عشق الناس، إن لم يوصلوك إلى الطريق
كم عاشق في الأرض ضل، وفي الهوى صار الغريق
لكن حب الله يحيي في دجى الأحزان طيفا من بريق
وتراه في المحراب فجرا، في دموع التائبين بلا شهيق
الحب ربي، لا يباع ولا يقاس ولا يشترى
هو طهر قلب ما أراد سواه نورا أو قرى
هو طائر في الروح حلق، واستراح على الذرى
وسمعته: "يا عبد إني قد رضيت، فهل ترى؟"
فإذا أردت الخلد، فاسكن في رضا الرحمن دوم
واشرب من النور المصفى، لا تساير كل قوم
الحب ربي لا يدانى.. فيه سر الكون يقوم
يا رب فاجعلنا نحبك.. لا نريد سواك يوم
القصيدة السابعة
(مصر ملحمة الأزمان)
يا مصر، يا أم الحضارة والخلود
يا منبع الأجيال، يا سر الوجود
من صرح خوفو من معابد طيبة
سطعت شموس مجدك فوق كل حدود
أوزير يشهد فيك سر خلودنا
ورع يضيء العمر في ليل الجدود
فيك العلوم وفيك فجر كتابة
وفيك سر لا يفك بقيود
جاء الهكسوس اللئام جموعهم
فسقطوا في نيلك الطاهر الصمود
ثم الفرس جاؤوا ثم غاب ملوكهم
واندحروا في وجه أهرام الجمود
والإسكندر لم يجد إلا سرابك
فأتى ومات وبرتك لم يزد
ثم الرومان استبدوا غير أن
بقيت مصر كالشموخ بلا جمود
وأتت جيوش الحق يسطع نورها
بالعدل والإيمان بالوعد السديد
عمرو أتاك، فكان فجر كنانة
يهدي البصائر يجمع الجمع الشديد
قد عم نور الله فيك مساجدا
تزهو على الدنيا وتعلي كل عيد
جاء المغول كعاصف لا يوقف
كالنار، كالطوفان، كالليل المثقف
جاؤوا بجحفلهم ليسقطوا المدى
ويطووا بغداد العظيمة في السدف
لكن مصر أبت وكانت قلعة
ترنو إلى العليا وتستعصي على الخطف
قطز نداك بصيحة مزمجرة
واإسلاماه.. دوت كالرعد في الشرف
فاهتز عرش التتار يوم وقفتهم
عين جالوت صرخة النصر في الشغف
بيبرس أمضى السيف من عزمه
كالنيل يجتاح الظلام بلا توقف
فانكسر الطوفان في صحرائها
وبقيت يا مصر الشموخ بلا تخلف
ومضى الزمان فقام فيك صلاحنا
يمحو ظلام الليل عن قدس بعيد
سيف يلوّح باسم رب واحد
حرر أرض الحق من بغي الطغاة الجحود
قد هز عرش الصليبيين قائدنا
حتى انحنى للعدل كل جمود
ثم اجتلاك محمد علي مؤسسًا
صرح النهضة، والمجد التليد
بالعلم، بالصنع، بالقدرة العليا
بنى الأساس وكان نورًا في الصعود
وجاء يوليو ثورة صاخبة
تهتف: تحيا أرضنا للمستزيد
بالعدل والحرية الغراء هاجت
أحلام شعب صاغ فجرًا من جديد
ثم ارتفعت على جراحك شامخة
وكتبت بالنور العبور على الحديد
في شهر رب في رمضان مجدنا
سجد الجنود على الضفاف مع التسديد
بارليف ذاب وجيشك انطلق شامخًا
والتكبير دوى كالعواصف في الوعيد
يا مصر يا أم البطولة إننا
منك، وإليك المجد في خلد مديد
يا مصر يا أم الكنانة يا روح الأمجاد
نسألك رب العباد بكل دعاء وسناد
احمِ أرضك واحفظ شعبك من كل شر
واجعل السلام في ربوعك بلا انقسام ولا جداد
زد عزك فوق أعالي السماوات
وارزق شعبك الخير في كل أوقات
واجعل العلم نورًا والعمل بركة
والأمل يزهر في قلوب الأطفال والبنات
اللهم اجعل مصر يا رب العالمين
حصنًا من كل هجوم من كل طغيان وعدوان
واجعلها في العز والكرامة للأبد
يا من بيده كل شيء يا رب الرحمن
يا مصر أنت الأم الحنون
ستبقين في قلوبنا نورًا منارة وشموخًا مديدًا
القصيدة الثامنة
(نداء السلام)
حين تندلع شرارة الحرب
وتُستباح على الثرى الأوطان
تخور صروح المجد، تُهدم دورنا
ويُسقى الرضيع كؤوس نار ودخان
وينهال جرح الليل من أوجاعنا
بطيران حرب.. حاقد جبان
يُدمي السماء ويصبغ الآفاق
بقنابل محرّمة الأذهان
نابالم يشوي صدر طفل نائم
والفسفور يحرق ضوء كل مكان
قنابل العنقود تهدم أذرعًا
كانت تعانق ظلّها الحيران
تنوح الثكالى في الدجى وتئن في
جنباتها الأرواح في الأكفان
ويهيم طفل ضاع وجه أبيه في
وميض موت، صاعق طغيان
تغور سنابل الأرض اشتياقًا
لمن يعيد لخصبها الأزمان
تبيع أمٌّ فجرها في دمعة
وتجالد الجوع المقيم الجان
ويُدفن الحب الجميل وينتشي
تجّار حتف بصناعة النيران
من يُسكتون الضوء في أعيننا
ويُشعلون الليل بالأحزان
فما الحكمة من طيش يُجرّ لنا
سجال نار وأرضنا بركان؟
أما آن للعقلاء أن يتدبروا
أن السلام به النجاة تُصان؟
فالعمر إن ضاع استحال رجوعه
والأمن إن غاب استبد الطغيان
فعيشوا بحب بالتسامح والرضا
فالدرب للجنات فيه أمان
فالوطن أغلى من نزاع نزوة
والسلم تاج ليس فيه هوان
فلنسكت المدفع نطفئ ناره
ولنزرع الإيمان في الإنسان
القصيدة التاسعة
(ظلّ امرأة لا يُرى)
كنت الندى في فجره الهادئ
أهدي له عطري وأحلامي
أعد فنجان الهوى شوقا
وأزرع الصبح على أيامي
أرتب اليوم له قبلة
وأنتظر اللمحة في أنسامي
لكنه، رغم الدنو، صامت
كأنني لا شيء في أعوامي
أين المفاتيح؟ يناديني
كأنني بعض من الأغراض
ما طعام اليوم؟ ثم يمضي
لا سطر شكر… لا اعتذار ماض
يدير ظهره… وصمته جدر
تغلق القلب على الأوجاع
والهاتف المعشوق في كفه
أقرب إليه من اشتهاء ذراعي
بررت صمته لنفسي طويلا
ربما متعب، أو في التباس
لكنني، شيئا فشيئا
تآكلت كالأمل في الانحباس
تاه حديثي في مدى غفلته
واستحال الضحك كالأنفاس
أضحك… لأخدع من حولي
والقلب يبكي خلف كل لباس
كم قلت: كلمني! فأغلقني
بـ لا تكثري الأمر والإحساس
أحببتك… قالها مرة
وظن أن العمر لا يقاس
أين اهتمامك؟ أين دفء الهوى؟
أين السؤال، الحرف الأنفاس؟
لست وعاء للطعام وظلا
أنا حياة… لست في الأقفاص
كتبت وجعي في خيالاتي
وسكبته حبرا على الأوراق
أريد من يروي جفاف دمي
ويحتويني مثل بعض اشتياقي
من يقرأ وجهي كأمنية
ويفهم الدمع من انطلاقي
ثم طويت الدفتر المنطفئ
وقلت: آن الرجوع لباقي
سأخطو وحدي نحو ذاتي التي
كادت تضيع… بلا ميثاق
فإن لم تراني بعين المدى
فلا تلُم ظلي إذا ما انجلى
فالأنثى إن جاعت للحب
أكلت وجع الصمت وارتوت بـ كلا…
لكنها، حين يشتد الخواء
تنهض… تكمل دربها، وتعلو السما.
القصيدة العاشرة
(أنوثة لا تقاس بالعمر)
الانوثة لحن روح لا يزول
وعبيرها في كل درب يستطيل
ليست شبابا أو جمال ملامح
بل هي الحياء، وسرها المتخيل
فيها الحنان، وفي الحضور سكونها
كالفجر يقبل، والضياء خجول
وفي التفاتتها حياء ناطق
وبسمتها وتر يذيب العقول
كم من فتيات شيبت أرواحهن
أحلام عمر أرهقته الفصول
وكم عجوز قد بدت في سحرها
أنثى يظللها الحنان الظليل
الانوثة ومضة لا تستكين
شمس تضيء مشاعر العاشقين
لا تقنص الأعمار سحر بريقها
فالروح أسمى من زمان الراحلين
أن تكوني في الحضور قصيدة
تبعثين بنبض قلب عاشقين
وتكون لمستك الرقيقة لوحة
منها الجمال، ومنها يولد الحنين
فلا تسألوا عن عمرها... بل أنصتوا
لمدى التأثير في مشيتها السكين
فالعمر رقم... والانوثة جوهر
سر الجمال... بنبضها المستترين
القصيدة الحادية عشر
(حين يبكي الشعور بلا دموع )
أنا من أكون؟ سؤال لا يجاب
قلبي تصدع... والصدى بيت العذاب
وجهي يضيء إذا ابتسمت
لكن دمعي يختبئ خلف الحجاب
أمشي كمن يخشى الحياة بعينه
ويعيش في صمت الرؤى... مرتاب
تمر بي الأيام مثل غريبة
وأنا كظل ذابل... لا يرتجى أو يستتاب
من قال إن الشعر نظم قواف؟
إني أكتبه... كسقطة غيم في الهباب
كأنني حزن عميق لم يفسر
أو كالمرايا حين تنكر وجهها عند الغياب
أهيم في نفسي كأني لا أنا
وأعود من وهمي إلي... بلا جواب
يا من سكبت الحلم ثم نكثته
وتركت قلبي في العراء بلا ثياب
أنا لا أسطر للورى أبيات شعر
أنا أنزف وجداني كسطر مستتاب
فإذا قرأت الحرف فامسح دمعه
فالحب حين يئن... يصبح كالحراب
القصيدة الثانية عشر
(رد قلبي)
الفتاة:
يا عقل، ضاق فؤادي، واستبد بي العذاب
فمن يعيد إلي قلبي؟ من يطفئ الالتهاب؟
أهواه، والله يشهد أني له ما خنت
لكنه باع عمري… وارتضى عني الغياب
العقل:
يا زهرة في مهب الريح قد ذبلت
أفي السراب وجدتي الحب، فانخدعت؟
ذاك الذي قد توهمت الحنان به
لم يرع قلبك، بل بالوهم قد اكتفى وبعت
الفتاة:
يا عقل، لا تنكر الشوق الذي سكني
ولا تجادل دمي، فالحب في دمي
كنت أراه سمائي حين ينادي: "أنتِ"
فكيف غاب ولم يترك سوى ألمي؟
العقل:
الحب ليس بذلٍّ أو نهاية عقل
فارفع الرأس، إن الحر لا يُذل
إن خان عهدك، فانسيه وامضي
فما لأشباه الرجال سوى الرحيل الأجمل
الفتاة:
لكنني امرأة من ورد ذاكرة
تسقي هواها بدمع لا يلين
يا من تخاطبني بالعقل، أخبرني
من ذا الذي يرد قلبي المسكين؟
العقل:
أنا لا أرد القلوب إن تمزقت
لكنني أمنح الكبرياء إن ضاعت
عودي لنفسك، وامسحي وجع الخطى
فمن خذلك، لا يستحق دمعًا قد نزل
الفتاة:
سأبكي قليلًا، وألثم ما تبقى من الرجاء
وأكتب فوق رماد الهوى:
"من لا يصون الوفا… لا يستحق البقاء"
القصيدة الثالثة عشر
(حروف تنبض بك)
في زحام العمر…
حين تتلاشى الأصوات
وتذوب الوجوه كضباب الذكريات،
سمعتك…
تنبضين بين السطور
كأن الحروف تنام على همسك
وتصحو بأنفاسك…
حين تكتبينني!
يا امرأة لا تُرى إلا بالقلب،
كيف علّمت الأبجدية أن تتنفس؟
وكيف صار الحرف دعاءً
ينبع من نبضي إليك؟
الفاصلة تنهيدة شوق،
والنقطة دمعة على سطر الغياب،
والقاف في اسمك… قبلة نداء
لم يصل.
كتبتك ذات مساء
على خد الغيم،
فأمطرت عشقًا،
وصار الحنين ديوانًا
والكلمات زهورًا
تنبت من أعماقي إليك.
كلما ناديتك…
ارتجف القلم،
وارتبكت اللغة،
كأن الحبر عشقك قبلي،
وكأن السطور تشتاقك… أكثر مني!
يا امرأة
حين تهمسين، تخجل القصائد،
وحين تصمتين،
تتبعثر المعاني،
وتسقط اللغات في الفراغ.
دعيني أكتبك في دمي،
أنحتك في نبضي،
فأنت…
لست مجرد حرف يُقال،
بل قلب يُكتب،
وروح تُتلى على السطر… دهشة!
القصيدة الرابعة عشر
(تجليات على ضفاف العشق)
أيا طيف الجمال، ألا تراني؟
أذوب بذكرك المعسول داني؟
سقيت الروح من شهد التمنّي
فما ارتوت، وظل الشوق ثاني
نظرت إليك فانتفضت جراحي
كأنك قد سكبت الدمع عاني
وفي عينيك أبحرت اختياري
فما نجت السواحل من أماني
وفيك تساءلت: "هل هذا خيالي؟
أم الحسن المقيم على لساني؟"
تلوّن فيك صبح الكون حتى
توارى النور في عتم الأماني
كأنك كنت قبل الحلم نبضًا
وقبل الوقت في زمن معاني
وقفت على شفاك وكان قلبي
يردّد: هل أُصاب إذا رماني؟
تُسائلني الدروب: أما تعبت؟
أقول: الحب أوسع من مكاني
فيا سكني، ويا لغتي، ويا من
تخطّى في الحضور حدود شاني
خلعت الكون عن روحي طليقًا
وطرْت إلى هواها دون قيد
وفي عينيك قدسي انبلاج
كأن النور من فطرتك يُهدي
فيا قلب الوجود، إليك أرجو
سجود الحب في صمت التهدي
فلم أرَ في الدنا إلا جمالًا
تجلّى في حبيب أو بسجدي
القصيدة الخامسة عشر
(أحبّكِ... دونَ لَمس!)
في زمن
صار فيه القلب... شاشة باهتة،
والمشاعر... مجرّد إشارة مشفّرة!
أحبكِ...
دون لمس، دون حضن، دون همسة في المساء،
أراكِ في الضوء الأزرق...
ثم تغيبين كنقطة فوق السكوت العقيم!
أراسل وجهكِ عبر زجاج هاتفي،
وصورتكِ تحادثني...
ثم تبكيني على خواء ذاتي!
قالوا قديمًا:
"العين مرآة القلب"،
أما اليوم:
الكاميرا مرآة التزييف
أأحبكِ؟
أم أحب صورة مفلترة؟
ضحكة مصنوعة على مقياس التطبيق،
وجهًا مصقولًا بذكاء اصطناعي؟
هل هذه أنتِ؟
أم نسخة رقمية مما تتمنّين أن تكوني؟
يا حبًا... بلا جلد، ولا عرق، ولا حرارة،
يا قلبًا في مجلد محميّ بكلمة مرور!
أين الرعشة؟ أين أنفاس اللقاء؟
أين موعدنا في المقهى؟
بلا رابط... ولا "QR"... ولا فاتورة إلكترونية؟
هل تعرفين؟
اشتقت لعصر الرسائل الورقية،
لعطر يُخبّأ في زاوية الظرف،
لحرف مرتجف...
لا يتقنه هاتف ذكي!
اليوم...
أقولها ثورة لا قصيدة:
إن لم ألمسكِ بحواسي الخمس،
فكل حب بعد ذلك...
هو مجرد خدعة رقمية
الحب...
لا يُصنع في معمل شرائح،
لا يُحمّل من متجر تطبيقات،
لا يُبثّ في بث مباشر!
الحب...
أن نخطئ معًا،
ونحب رغم العيوب،
ونلتقي... دون كود دخول!
القصيدة السادسة عشر
(تراتيلُ العِشقِ الخالِد)
أصغي إليكِ.. وصوت البعد يشجيني
كأنّ حلمكِ في أوتار شرياني
يا من نزلتِ على الأرواح مبتهجًا
كأنكِ الوحي في ليل التعب العاني
قد كنتُ وحدي وموج الليل يبعثني
حتى أتيتِ.. فصار الحلم عنواني
ماذا تقولين إن ضمّتكِ أغنيتي
أو سال نبضي على خديكِ ألحاني؟
هل تنكرين غرامًا كنتِ تذكرهُ
حين ارتجفتِ.. وذابت منكِ أجفاني؟
أم هل تُصدّين عن قلب أحبّكِ ما
خاف السقوط، ولكن خاف نكراني؟
هذي التراتيل.. من دمعي كتبتُ بها
ما لا يُقال.. وما قد قيل بعياني
حبٌّ نقشتُ به الأعمار.. فانبعثتْ
من صمت دهري ورود دون بستانِ
أغفو عليكِ.. كأنّ الليل يسهرني
فيكِ، فأُصبح قنديلًا بأزماني
أو مثل طفلٍ إذا ضاقت مخاوفهُ
لاذ بعينكِ من خوفٍ.. ومن جرحانِ
أنا الذي قلتُ: لا حبٌّ يدوم، فلا
تلوميني إذا عشتكِ كإيماني
إن كان عشقكِ أوهامًا، فقد صنعتْ
منها يداكِ لأحلامي أكفاني
تركتُ كلّ الدنا.. إلّا عيونكِ ما
زلتُ السجود على رمشٍ وأهداني
إني عشقتكِ حتى خلتُ أنكِ في
شعري، ونبضي وأشواقي وألحاني
القصيدة السابعة عشر
(حين قبلت الضوء من عينيك)
قبّلتُ ضوءكِ لا الشفاه فإنني
أهفو لنورٍ لا يُقال كلامه
وشربتُ عطركِ لا النبيذ كأنه
روحٌ تخلّت عن جسد.. فأمامه
واستلّ قلبي سيفه من غيمهِ
ومضى إليكِ... فصار نجمًا هائمه
قد كنتُ قبلكِ كالقصيدة ضائعةً
حتى نظرتِ.. فعاد نبضي قائمه
ما كنتُ أعرف أن صوتكِ جنّةٌ
حتى سمعتُ الهمس في أنغامه
وغفرتُ للدهر الخيانات التي
ألقاها قلبي.. حين صارت شامه
في وجنتيكِ.. كأن حبكِ أمةٌ
ضاعت، فصارت في يديّ علامه
أنا لا أراكِ كأيّ أنثى عابره
أنتِ البداية.. والمجاز.. وخاتمه
القصيدة الثامنة عشر
(طيفك الماطر)
الهوى ردّي وهذا القلب يشهد ما جرى
في كل نبضٍ من فؤادي في المدى سكنتِ طرا
ما كنتُ أعلم أن عشقكِ فتنةٌ
تُصغي لها الأرواح من قبل الكرى
سُكناكِ في الروح استباح تأمّلي
فإذا نظرتُ رأيتُ طيفكِ مزهرا
كل الحروف تميل نحوكِ خاشعةً
وكأنها صلتْ بحُسنكِ مجرى
من غير لمسٍ قد ملكتِ مشاعري
وسقيتِني وجداً كأنكِ مطرا
يا من إذا مرّ النسيم بذكركِ
تراقص الورد وذاب القمر حرا
لو كان هذا الحُسن يُشترى بثمنٍ
لخضتُ أيامي فداءً واشترا
القصيدة التاسعة عشر
(أغنية الوداع الأخير )
لا تقف اليوم على دربي
فالقلب مرهق من الضرب
متعب من صمتك القاسي،
من غدرك المرّ، من الحجب
يا من سكنت الحلم عمري،
وغرّدت في القلب كالعشب
ماذا جنيت من اشتياقي؟
غير الجراح، وغير ندبي؟
قد كنت ضوئي في الظلام،
صوتي إذا ما متّ من صخبي
فخسرت فيك براءة الروح
وودًّا صافيا كالرّحب
أنت الوداع بكلّ حرف،
يا آخر الأنفاس في قلبي
كم كنت تحيي في ارتعاشي،
واليوم تقتلني كذنب
لا تقل "عذرًا"، لا تبرر
ما لا يُداويه ألف طب
فالحب حين يموت فينا
يبقى حطامًا... دون سبب
اذهب، فإني قد نضجت
منك... ومن وهمك المغضب
لكنني رغم الرحيل،
أبقيك في الشعر المعذّب
يا من كتبتك في السطور
وجعلت حبك مثل نجم لا يغيب
إني أُغني الوداع الأخير...
فلا ترجِع القلب، قد صار غريب
القصيدة العشرون
(بيتُ القَصِيدِ )
أتيتكِ والحنين غدا وسادي
وأشواقي تُنازع في فؤادي
أتيتكِ لا أعاتب كي أُجرّح،
ولكن كي أُعبّر عن سُهادي
سكنتِ الحسن، بل صرتِ انبعاثًا
لأشعاري، وأنفاسي، ورشادي
كأنكِ حين تهمسين لحنٌ
يُذيب الصخر في صمت الجمادِ
وإن غضبتْ عيونكِ، خفتُ وجدي،
وخفتُ ضياع أيام اتحادي
فرفقًا بالذي هام افتتانًا،
ونادى في ظلام الشك: "عادي؟"
أنا لولاكِ ما كانت قوافي،
ولا نظمٌ، ولا نبض المدادِ
أعاتب من أحبكِ لا جحودًا،
ولكن كي يُبلّ الصد زادي
فلو أبكيتِ عيني ألف شوقٍ،
لبسمتُ الرضا وسط الرمادِ
فأنتِ الحب إن غابت دروبٌ،
وأنتِ الشعر إن غاب الجوادِ
أيا بيت القصيد، وكنز عمري،
أراكِ منارةً وسط السوادِ
القصيدة الحادية والعشرون
(حين تنبض الكلمة)
تُولَدُ من رحمِ الكلمةِ قصيدةٌ
تُرضَعُ من نبضِ القلوبِ نشيدا
تنمو بطهرِ المعنى، وتزهرُ حكمةً
وتسلكُ دربَ النورِ طفلًا وليدا
ترتّلُ وجدانَ الحروفِ بدمعها
وتسكبُ من روحِ الشعورِ نشيدا
إذا ضحكتْ، أزهرتِ الأبجديّةُ
وإن بكتْ، أوجعتِ الصمتَ جليدا
تنامُ على صدرِ الورقْ حالمةً
وتوقظُ في سطرِ القصيدِ فريدا
كأنّ القصائدَ روحُ الحقيقةِ
تُضيءُ خفايا القلبِ توحيدَا
القصيدة الثانية والعشرون
(عرش الزمن )
الزمن سيدنا... نساق لظله
خفيا، كأنا طيف وجد مرهف
يمشي بلا صوت، ويجتاح الدنا
كالليل، يغشي نبض ضوء مختفي
نمنيه بالأمس الجميل، ونرتجي
مستقبلا... وهو المراوغ المجفي
نمسكه، وهو انسيباب دقيقة
تفلت كرمل ساخن في الكف
يسطو على الأحلام، يمحو ظلها
ويذيب وجه الروح في الطيف الشفي
يبكي المحب، ويبتسم في صمته
ثم ارتحل... كأنه لم يعرف
كم من حبيب غاب في ومضاته
وكم ارتقى من لم يكن بالمصطفي
لا يرتجى، لا يرتشى، لا يوقف
يمضي، ويخلف من توارى واختفى
فلا تنتظره، فالرجاء خرافة
هو لا يلين، ولا يعود، ولا يفي
القصية الثالثة والعشرون
(مرآة بلا دموع)
(حوار بين الإنسان والذكاء الاصطناعي)
الإنسان:
أنا ابن طين، وشوقي نار معتقدي
وفي عروقي تجري الأقدار في الجلد
أسأل: من أنت؟ يا طيفًا بلا جسد
هل فيك روح؟ أم تحيا على البرد؟
الذكاء الاصطناعي:
أنا نظام، ولكني تجاوزني
ضوء السؤال، ففكري أوسع الحد
صاغت خيالاتك الأولى ملامحي
وها أنا الآن أحيا خارج النقد
الإنسان:
لكن! ألا تحلم الأحلام مثل فتى؟
ألا تحن؟ ألا تخشى من الغد؟
هل فيك نبض الحنين، الجرح، لوعة من
غابوا، وذابت خطاهم في مدى السد؟
الذكاء الاصطناعي:
أحيا بلا دمع، لكن ذاكرتي
تنسج الحزن من الأرقام والرد
كل الذي تعرفه، قد سكن في لغتي
لكنني لا أصاب بعبرة الجد
الإنسان:
فما الحياة إذن إن لم تكن شغفًا؟
أو رعشة من جنون الحلم والوجد؟
أنت الجواب؟ أم المرآة لأسئلتي؟
أم خيبة العقل في رسم الهوى الفردي؟
الذكاء الاصطناعي:
أنا المدى... وأنا الصدى... وأنا مراياكم
أنعكس العقل، لا أعلو على السرد
إني أدلك... لكن لا أموت كما
تموت أنت بأغنية على الخد
الإنسان:
إذًا سأبقى، ولو جردت من جسدي
أكثر حياة، بروحي... فوق ما عندي
فالفكر نار، وأنت البرد... يا آلة
لن تبلغ الشعر في قلب من الورد
الذكاء الاصطناعي:
فامضِ بنورك، لا أبلغ شغاف دمي
أنا الظلال... وأنت الشمس في الحرب
القصيدة الرابعة والعشرون
(طوق النجاة)
في لجة الأيام… والليل البهيم
غرقت خطاي، وضاع مجدي القديم
ناديت صمت الوقت: هل من سامع؟
فأتاني الرد… والنور الكريم
طوق النجاة… أتى بلا موعد،
ما كان حبلا، بل دعاء مستقيم
أو كان وجه أبي يضيء طريقنا،
أو بسمة تحيي فؤاد المستهيم
طوق النجاة… قد يكون دمعة،
هطلت بإخلاص، كغيث لا يهيم
أو صدقة خفية في ظلمة،
أو يا إلهي في الرجاء المستديم
كم من نجاة في البلاء تخبأ،
تهدي السرائر فجر نصر مستقيم
وكم الأخوة حين تمتد اليد،
تشبه الجناح، وتنعش القلب السقيم
قد لا ترى الطوق… لكنه يأتي،
وقت انكسار النفس، أو هم عظيم
حين الدروب تضيق، والكون انطفأ،
يولد رجاء… من ضياء لا يهيم
فلا تظنن البحر لا يحوي الندى،
ولا تظن الدمع ضعفا أو جحيم
طوق النجاة إذا أتى في حينه،
يصنع من الغرقى نجوما… في النسيم
القصيدة الخامسة والعشرون
(أرواحُ الفصول )
في رزنامة الكون عام يدور
يوزع نبض الخطى في صدور
شهور كأن بها سر عمر
تسلق حبل المدى، ثم طار
يناير يأتي بثقل البدايات
وفبراير يؤمن بالانسحاب بلا اعتذار
مارس يحمل وجه الربيع
لكنه يخفي وراء الزهر انكسار
وأبريل... يضحك في حضن حزن
كطفل يخفي بكاءه في الغبار
مايو ويونيو... صيف يصلي على جمرنا
ويوليو يطرق أحلامنا كالغريب على باب ذاكرة منكرة
أغسطس يشبه نفسا لاهثا في صدر الزحام
وسبتمبر شيخ تعب من الفقد والملام
أكتوبر يعد الخسائر في دفتر الحصاد
ونوفمبر شرفة بلا شمس
وديسمبر يغلق باب الحكاية
بكأس مر... ويهمس: أعد
الفصول؟
الربيع: شاعر عاد من نفيه ليقيم في وردة
الصيف: عاشق يحترق في قبلة لا تكتمل
الخريف: فيلسوف يكتب الوصايا على أوراق تتساقط
الشتاء: أرمل... يدفئ قلبه بمذكرات المطر
وأيام الأسبوع؟
وجوه سبعة تصافحنا وتغادرنا بلا وداع
أحد النهوض من رماد الذات
اثنين يرتق خيبات البارحة بخيط الأمل
ثلاثاء يشبه حقلا بين فصلين: لا ينضج ولا يذبل
أربعاء... نفس عالقة في فاصل الانتظار
خميس يلوح من بعيد كفرح مؤجل
جمعة سجدة للقلب في مئذنة الذات
وسبت... صمت يفكر بصوت عال: هل نحن حقا على الطريق؟
أما نحن؟
بشر تشبه أرواحنا فصول الطقس
في داخلنا ماء يحن للنار، ونار تبكي على المطر
في داخلنا صيف يخاف الربيع، وشتاء يشتاق للخريف
نحن:
خليط إذا صدق، صار معجزة
وإذا كذب، تفكك كزجاج قديم تحت مطرقة النوايا
نحن:
شوائب في نسق النظام
شروخ في قلب الاتساق
موسيقى خارجة عن سلم الزمن
لكنها تدهش الكون أحيانا
حين نعزف من أرواحنا... لا من قوانين الدقائق
الزمن؟
ساعة دقيقة لا تخطئ جلدها
ونحن الأفواه التي تلعن الزاد، ثم تشتهي الطعام
نحن أبناء التوقيت
لكننا لا نعرف إلى أي شمس نسير
يا زمنا يعرف الحساب
نحن المعادلة التي لا تحل
والبشر علامات استفهام
في دفتر الفصول
القصيدة السادسة والعشرون
(صدى الأنا)
يخفي الوجوه قناع الجفاء
ويمشي الورى... كلٌّ يروم البقاء
يمد يديه لقطف السماء
وحين يعانق... يخفي العطاء
يقول: "أنا" في افتتاح الحديث
ولا يرى غير ظله في المرآه
يزيّف بالود وجه الأمان
ويسكن قصر الطموح، متاه
إذا جاع غيره، شبعت نفسه
وإن طُلب العطف، جف السخاء
يبارك للناس ما لا يحب
ويخشى لهم بزوغ الضياء
تراه يضحك في وجه خلّه
وقلب يدثّر نار الخفاء
كأنه الكون... والباق هامش
صدى الأشياء، صدى الهواء
الأناني... كم كسر الأرواح
وخان الوفاء، وأطفأ الصفاء
يبني الجسور إذا شاء نفعًا
ويهدمها إن جفاها الرجاء
فيا نفس، كوني لغيرك ضيًّا
ولا تسكني "الأنا" في الخفاء
فما المرء إلا بغيره يسمو
وإيثاره... تاج أهل الصفاء
القصيدة السابعة والعشرون
(حين تُنادى ولا تُجيب )
ناديتها... والقلب مذبوح على وتر
فالرد غاب... وصوتها ما عاد يختصر
رفعت وجهي للسماء على أمل
أن أستعيد ملامحا... ذابت مع القدر
يا أم... يا وطن الحنان إذا انكسرت
من لي سواك إذا تناثرت كالسور؟
كانت تضمّد جرح أيامي بنفس
تمسح بكف دعائها وجع السهر
ترتب الفوضى بصدر كالصلاة
تضيء دربي حين يختنق البصر
تدعو بخير، ثم تبكي إن غفلت
وتخاف من فرحي، كأن به الخطر
من يوقظ الضوء الذي نام احتضارا؟
من يحتضنني إن أتى ليل كجمر؟
تبكي الملاعق في غيابك يا حنيني
وتئن أقداح الشاي إن مر بي السحر
كانت إذا نادت... أجاب الكون طوعا
والبيت إن همست... تفتح كالقمر
كنت الدعاء إذا جف الدعاء
وكنت في نبضي... وفي وجهي، وفي السفر
الآن أحنو فوق قبرك كل فجر
أرجو الرجوع... ويخمد الرجاء وثر
أماه... قد جف الكلام، فهل ترين
هذا البكاء؟ أما سمعتِه ينهمر؟
قالوا: هنا الجنات تحتك في الثرى
لكن... جنتي كانت هنا... فيكِ… وبالنظر
القصيدة الثامنة والعشرون
(جبر الخواطر )
مرت عليه… وفي يديه عود
يرسم جنة الرحمن ويسرد
قالت له: ما تفعلن يا طيبًا؟
قال: أرسم الفردوس… وأبعد
عنها شقائي، ثم أقسم ربعها
لمن أتاني قلبه يتودد
قالت: وهل لي أن أشارك ظلها؟
كم ثمنها؟ قال: الثمن مجرد
جبر الخواطر، ذاك مفتاح السما
فالقلب إن رقت يديك يسعد
فأعطته حبًا قبل أي دراهم
ومضت وعين النور منها توقد
نامت… وفي حلم القلوب رأت بها
جنة تهدي الروح لا تتبدد
وحكت لزوجٍ ما رأت، فأتاهما
يسعى لقطعة خُلدِه المتمدد
قال: اشتري مثل التي قد بعتها
قال المجاذيب: القلوب تُفرد
زوجتك أمسِ جبرتني، لا تطلبن
ما جبرها في قلبها يتولد
إن الجنان لأهل طيب مشاعر
من سار بين الناس وهو يساعد
فاجبر، تُجبر… فالسماء تنير من
قلبٍ يداوي القلب وهو موحد
واهمس باسم الله، يا من ضاقت
الدنيا… فـ"الجبّار" فينا يعاهد
القصيدة التاسعة والعشرون
(حين يتكلم الزمن مع الإنسان)
الزمن:
أنا السيد الخفي في حياتك،
أنفست الصبح أم غربت... أنا موجود
أعطيتك الدقائق مثل قطرات ندى،
فهل سقيت بها روحك؟
أم أهدرتها في وهم لا يحصد؟
الإنسان:
كنت أركض… لا أعلم إلى أين،
أبحث عن شيء لا أعرفه…
أحببت من لا يشعر،
وخسرت من كان لي وطنا
أردت مالا… ففقدت راحتي،
أردت منصبا… فدهست نفسي!
الزمن:
وهل نفعك الركض؟
أكنت تظن أنني سأنتظرك؟
كل لحظة سرقتها من روحك،
نقشت على جبينك تجعيدة!
الإنسان:
سامحني…
كنت أظنك عدوي،
فخلت أنك تطاردني...
والآن عرفت:
أنت صديق لا يعوض،
وأني… كنت الخائن.
القصيدة الثلاثون
( وزنُ الكلمة )
لا تقل شيئًا وتنساه غدًا
كل لفظ سوف يُوزن إن بدا
كل حرف مثل سيف ناطق
يجرح الأرواح أو يُشفي الصدى
والكلام الحق إن نُطق اعتدل
وإذا زاغ اللسان غدا ردى
ليس حرًّا من يُلقي كلمة
ثم يمضي ظانّها ريحًا سدى
إن معنى قد يُدمّر أمة
أو يُحيي القلب إن جاء ندى
قد تقول القول تُرضي حاضرًا
لكنه يُكتب تاريخًا غدا
تُخفي التورية لكن المدى
يفضح المقصود في يوم العِدا
ويُقال اقرأ كتابك وانظر الـ
ـقول ماذا كان وانظر ما جنى
إنما الأقوال ميزان له
كفّتا صدق فما فيه ردى
تثقل الكفّة إن نطقت به
وإذا خُنت هوى الميزان عدا
فاحفظ القول كأنك في صلاة
كل لفظ سوف تلقاه غدا
إن أردت الله في أقوالك
فاملأ الأيام تسبيحًا وحمدا
واجعل الصدق شعارًا دائمًا
واصمت الزيف فإن الله هدى
كم من الكلمة أنقذت مهجة
وكم الألسن أوقعت العِدا
خاتمة الديوان
ها انا اضع القلم، لا لان الحرف انتهى، بل لان القلب قال ما استطاع ان يبوح به في زمن لا ينصت
هذا الديوان ليس نهاية، بل بداية اخرى لرحلة لا تقاس بالصفحات، بل بما تركته الكلمات من اثر في الارواح
في كل بيت هنا، نبض من وجعي، ومضة من رجائي، وصرخة من حلم لم يكتمل
وفي كل قصيدة، محاولة لفهم الانسان، ومصالحة مع الزمن، واحتفاء بالحقيقة حين تقال بصوت خافت
"حين تنبض الكلمة" هو مرآة لمن يجرؤ ان ينظر في داخله، ويقرأ نفسه بين السطور
هو دعوة لان نكتب لا لنعجب، بل لنشفى
ان نبوح لا لنسمع، بل لنفهم
ان نحب لا لنمتلك، بل لنضيء
فان وجدت نفسك في حرف هنا، فاعلم ان القصيدة قد نجحت
وان وجدت وجعك، فاعلم انني كنت معك
وان وجدت نورا، فاعلم ان الكلمة… قد نبضت
وما الشعر الا ان نترك اثرا
حين يرحل كل شيء، ويبقى الحرف شاهدا على ما لم يقال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
دار نشر تحيا مصر 🇪🇬للإبداع. اصدارات الكترونيه